الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
105
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
العرف ؛ ولذلك فهو من المجاز الّذي ليست له حقيقة . وأمّا كون اللّه هو موجد الأشياء كلّها فذلك ليس ممّا تترتّب عليه حقيقة ومجاز ؛ إذ لو كان كذلك لكان غالب الإسناد مجازا عقليا ، وليس كذلك ، وهذا ممّا يغلط فيه كثير من النّاظرين في تعيين حقيقة عقليّة لبعض موارد المجاز العقلي . ولقد أجاد الشيخ عبد القاهر إذ قال في « دلائل الإعجاز » « اعلم أنّه ليس بواجب في هذا أن يكون للفعل فاعل في التّقدير إذا أنت نقلت الفعل إليه صار حقيقة فإنّك لا تجد في قولك : أقدمني بلدك حقّ لي على فلان ، فاعلا سوى الحقّ » ، وكذلك في قوله : وصيّرني هواك وبي * لحيني يضرب المثل و - يزيدك وجهه حسنا . أن تزعم أن له فاعلا قد نقل عنه الفعل فجعل للهوى وللوجه » اه . ولقد وهم الإمام الرازي « 1 » في تبيين كلام عبد القاهر فطفق يجلب الشّواهد الدّالة على أنّ أفعالا قد أسندت لفاعل مجازي مع أنّ فاعلها الحقيقي هو اللّه تعالى ، فإنّ الشّيخ لا يعزب عنه ذلك ولكنّه يبحث عن الفاعل الّذي يسند إليه الفعل حقيقة في عرف النّاس من مؤمنين وكافرين . ويدلّ لذلك قوله : « إذا أنت نقلت الفعل إليه » أي أسندته إليه . ومعنى المسارعة في الكفر إظهار آثاره عند أدنى مناسبة وفي كلّ فرصة ، فشبّه إظهاره المتكرّر بإسراع الماشي إلى الشيء ، كما يقال : أسرع إليه الشيب ، وقوله : إذا نهي السفيه جرى إليه . وعدّي بفي الدالّة على الظرفية للدلالة على أنّ الإسراع مجاز بمعنى التوغّل ، فيكون ( في ) قرينة المجاز ، كقولهم : أسرع الفساد في الشيء ، وأسرع الشيب في رأس فلان . فجعل الكفر بمنزلة الظّرف وجعل تخبّطهم فيه وشدّة ملابستهم إيّاه بمنزلة جولان الشّيء في الظرف جولانا بنشاط وسرعة . ونظيره قوله يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ [ المائدة : 62 ] ، وقوله : نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ [ المؤمنون : 56 ] ، أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ [ المؤمنون : 61 ] . فهي استعارة متكرّرة في القرآن وكلام العرب . وسيجيء ما هو أقوى منها وهو قوله : يُسارِعُونَ فِيهِمْ [ المائدة : 52 ] . وقوله : مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ إلخ بيان للّذين يسارعون في الكفر . والّذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون .
--> ( 1 ) في كتابه « نهاية الإيجاز » .